Zokak al-Blat, Paths & Great figures

its major role in modern cultural and political history of Lebanon

بيـروت لـم تهاجـر… ولـن

Mizher Saab house - facade 1997 (c)

ميشال سبع


عاشت منطقة زقاق البلاط وأحياؤها الداخلية وزواريبها مهرجانا إحيائيا قامت به مجموعة من المؤسسات التراثية والتربوية والبيئية والفلكلورية والفنية برعاية وزارة الثقافة لفترة ثلاثة أيام استغرق إعدادها زمناً طويلاً وتستمر بأشكال مختلفة تقاطعا مع السنة العالمية للكتاب في بيروت.
وما يلفت النظر هو أن عدد المشتركين والملبين للدعوة قليل وضعيف، رغم كثقافة البرامج في أكثر من مكان واحد، وفي وقت واحد، مما يعني أن المعدين لهذا البرنامج كانوا ينتظرون أعداداً كبيرة. وقد رصدت مجموعة من الملاحظات يمكن أن تستدعي تحليلاً وتعليقاً عليها.

الملاحظة الأولى، أن عدداً من المشتركين كانوا يتأوهون ويتحسرون على ماضي بيروت وماضي مؤسساتها رغم أن منطقة زقاق البلاط اليوم تضم عدداً كبيراً من المدارس، وبالتالي التلامذة. لكن الأماكن التي كانت تشهد حركة نهضوية في القرن المنصرم لم تعد سوى هياكل أشباح حقيقية، وعلى سبيل المثال فإن مدرسة البستاني التي هي أول مدرسة علمانية نهضوية في بيروت بل في لبنان بل في المشرق العربي، هي اليوم عبارة عن ركام أو شبه ركام وتوحي بأنها (هنكار للخردة) وبالتالي فإن التأوه عليها له ما يبرره. فالعلمانية في بيروت ولبنان تستحق الرثاء، فكم بالحري العلمانية في المشرق الذي تتصاعد فيه الطوائفية والمذهبية تصاعدا مخيفا، وكأن لسان الحال يقول: هذه المدرسة العلمانية ليست فقط من الماضي بل هي منكرة ومنبوذة ومرفوضة حتى في سجل تاريخ الماضي.
والملاحظة الثانية، هي القصور البائدة والبيوتات البرجوازية التي لعبت دوراً كبيراً في حياة بيروت السياسية والتي يتذكرها أناس تجاوزوا العقد الثالث من العمر، وهذه ان كانت لا تستحق الرثاء لان البرجوازية ليست دليلاً للصحة والعافية في وطن ما، إلا انه يجب عدم النسيان بأن البرجوازية هي التي لعبت الدور الكبير في النهضة العمرانية والتربوية وهي الأساس في قيام الفكر العلماني والمؤسسات ذات الطرح العلماني، بدءاً من برجوازية الثورة الفرنسية مرورا ببرجوازية عصر النهضة العربية انتهاء بلبنان. واذا كانت الأحزاب العقائدية في لبنان هي التي دعت الى العلمانية وكانت تضم عمالاً وطلاباً، إلا أن المؤسسين لها كانوا شبه برجوازيين، فمؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي من أب طبيب وهو مثقف، وصحيح أن حياته لم تكن توحي بالبرجوازية، إلا أن شخصيته وتصرفاته كانت تدل على ذلك بامتياز، كذلك فإن الحزب التقدمي الاشتراكي العلماني أسسه وما زال يرأسه الجنبلاطيون وهم برجوازيون في قطاع الإقطاع بامتياز، أما الحزب الشيوعي الذي انبثق من مستخدمي إدارة التبغ، إلا انه سرعان ما استقطب من البرجوازيين أو الطامحين إليها، وكما هي الحال في لبنان كذلك كانت في الشام، فعفلق كان من عائلة برجوازية نسبياً، والمليونير الأحمر الذي أضاف كلمة اشتراكية له معروف بغناه وهو من كبار الملاكين السوريين وكان يدعى أكرم الحوراني.
لذا فالتحسر على البرجوازية ليس من باب اليمينية العقائدية بل من باب التحسر على الفكر الحر، ولقد بينت الوقائع التاريخية لاحقا أن الفقراء هم أرض خصبة للفكر الديني الأصولي الرجعي، أكثر بكثير من أن يكونوا أرضاً خصبة للفكر التقدمي العلماني في المشرق العربي.
الملاحظة الثالثة، أن سكان زقاق البلاط لم يعودوا من أهل زقاق البلاط، لذا فقاطنو هذه الأحياء لا يعنيهم التاريخ، بل يعنيهم الواقع المعيش، وبالتالي فإن الدعوة الى إحياء التراث هي أشبه ببكاء على الأطلال بالنسبة إليهم.
والتغيير الديموغرافي الحاصل لا يصب أبداً في مصلحة الدعوة التي قامت من أجل تسليط الأضواء على تاريخية أحياء بيروت. لقد قال أحد نواب بيروت في هذه المناسبة إن للمدن روحاً والروح لا تموت حتى وان تغيّر قاطنوها. هذا الكلام فيه كثير من التوقف والتساؤل: هل الروح تكفي لبعث الحياة في أجساد لا تتجانس معها. وإذا تحولنا في المدن الكبرى في العالم ألسنا نرى حالة مشابهة؟ كم من باريسي الأصل يسكن باريس وكم من لندني الأصل يسكن لندن؟ كذلك كم من بيروتي الأصل يسكن بيروت؟ ومن طبيعة الديموغرافيا أن تتغير وتتلون، لكن الأكيد أن الوافدين الى المدرسة يلبسون ثوب المدينة وقدرهم التأقلم معها، ولم تشتهر عاصمة في العالم أن تغيّرت نتيجة وجود كمّ من الوجوه الغريبة فيها. ولعل الانكفاء في أحياء ممكن لبعض حين، لكن طبيعة العمل وضرورة الانفتاح المساواتي للعيش يلزمان الوافدين بالتغيير.
لذا، فبيروت ستبقى بيروت، والذي يأتي الى بيروت حاملاً (زوادة) تقاليده وفكره سيذوب في بيروت، واذا كانت بعض الجهات قد أقامت أسواراً عازلة لبعض المناطق من أجل عدم ذوبان جماعتها في المدينة، فإن روح المدينة ستفصل من أجسادهم جسداً لها وسيذوب رويداً رويداً في حياة المدينة الصاخبة.
إن الشبان الذين يتفرجون على شوارع بيروت وملابس بيروت وتبرجها لا يمكنهم أن يبقوا طويلا متفرجين، وهذه الازدواجية القاسية التي يعيشونها اليوم تجعلهم يعيشون تارة ميلا الى إلغاء ما يرون وطوراً ميلا الى أن يعيشوا ما يرون.
حياة المدينة المفتوحة في بيروت لا يمكن إلغاؤها، لذا فهم سينخرطون فيها عاجلا أم آجلا، وبالتالي فإن أصحاب الأيديولوجيات التي تقول بعكس ذلك مدعوون لإعادة النظر في طروحاتهم، والسهر في بيروت لا يمكنه أن يجتمع مع الفكر المناقض له، وإذا كان النهار يمحو كلام الليل لكن النهار لا يمكنه أن يكون نسيانا أو غير مكترث به.
صحيح أن بعض المدن الكبرى تغيّرت هويتها تماما من خلال تغيير النظام السياسي بالكامل، ولكن مئة عام من هذا التغيير لا تمحو ألف عام من نمط قديم مغاير، وان القبول بالواقع المفروض، لا يلغي الذكريات، والذكريات من أجل أن تُمحى تحتاج الى إلغاء معالم المدينة أصلا، فهل هذا ممكن، واذا كان ممكنا فما هو الثمن اللازم؟ ان التكلفة أكبر من أن يتمكن نظام سياسي من دفعها.
الدعوة الى التأمل في تاريخ بيروت وفي تاريخ أحيائها ليس مجرد نشاط ثقافي، هو تأمل في بيروت النهضة، بيروت العيش المشترك الذي لا يمكن إلا أن يكون علمانيا، واذا كان الساكنون في بعض أحياء بيروت لا يهتمون، إلا أن التأمل ضروري لهم كي يعوا أن أولادهم سيتغيرون وأن قضاء (الويك اند) في الضيعة لن يمكنه من الصمود في عملية التغيير الحتمية الآتية. وان لم يتغير النظام السياسي الى إطار أيديولوجي طائفي بالكامل ولمصلحة طائفة ما، فإن النهضة العلمانية قدر آت لان هكذا هي طبيعة المدن، لقد اشتهرت بيروت بأنها مدينة الطباعة والإنتاج الأدبي والفني والمسرحي، وكثرة المطابع فيها شاهد على ذلك، كما أن الأندية الثقافية كانت فخر الأحياء البيروتية وكذلك مكتباتها التي كانت تملأ رفوف الغرف المخصصة لها في البيوتات البيروتية، إضافة الى الآلاف من الكتب التي كانت المدارس النهضوية تفخر بها. صحيح أن بعض هذه النوادي زحف خارج بيروت، وصحيح أن مظاهر أدبية واضحة المعالم اليوم كتظاهرة انطلياس الأدبية، إلا أن معارض الكتب إن لم تكن في بيروت فهي ستبقى هامشية في التسويق والعرض. وفي بيروت أطلقت أصوات سابقة عصرها، وخصوصا في الطروحات العلمانية وحرية النساء وحقوقهن، وفي بيروت شاركت النساء في التظاهرات وقدمن شهيدات على مذبح الحقوق المطلبية في الريجي، ومن بيروت انطلقت فعليا الأحزاب السياسية للبنان والمنطقة.

أثناء الحرب الأهلية في لبنان انقسمت بيروت وشوارع بيروت وهُجر غير المحسوبين أو المتأقلمون مع الجهة السياسية الى الطرف الثاني، أو هاجر وهرب، لكن ما إن توقفت الحرب حتى عادت الأحياء متداخلة، وصحيح أن تغييرا ديموغرافيا كبيرا حصل في بيروت، لكنه لم يغير ملامحها بالإجمال، وشارع الحمراء الذي افتقد الصخب لفترة عاد يأخذ مجراه الطبيعي رويداًَ رويداً، أما الشوارع المستجدة فهي لم تأت بجديد بل أنبتت شوارع بيروت القديمة شوارع جديدة، فشارع الزيتونة اللاهي الملتهب بالمتعة الذي زحف في السبعينيات الى الحمراء زحف اليوم الى شارعي مونو والجميزة، وبرهنت الوقائع أن الهجرة الى المعاملتين وجونية لم تكن سوى مرحلة عابرة، المدن لا تهجر، المدن يهاجرون إليها وهي لا تهاجر الى مكان، قد تنسحب لبعض الوقت لكنها تعود الى مواقعها. ومن راهن ويراهن على تغيير هوية بيروت فسيكتشف أن رهانه خاسر، فبيروت تبقى بيروت، هذا قدرها وعلى من يريد تغييرها أن يتغير هو

الخميس 22 تشرين الأول

جريدة السفير

No comments yet»

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: